سميح عاطف الزين
161
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
وحمل نخيلهم أضعاف ثماره ، وكثرت أنعامهم وخيراتها . فصارت بركات الرضيع موضع أحاديث أبناء القبيلة ، وحبّه ملء قلوبهم ، فلا يتمنون شيئا أكثر من بقائه في ربوع مضاربهم . . وتكرّ الأيام سريعة ، وتجد حليمة السعدية أن حولي الرضاعة قد قاربا على النهاية ، وأن عليها أن تعيد الطفل إلى أهله في مكة ، كما كان متعارفا عليه في ذلك الزمان . محمد الطفل وتهيأت عائلة الحارث بن عبد العزى لوداع الطفل الميمون ، فخيم الحزن على البيت ، وران الوجوم في أجوائه ، فلا أحد يسمع إلا زفرات وعبرات ، ولا أحد يشعر إلّا بتعاسة وشقاء . إنهم حقا لا يطيقون الصبر على فراقه ، حتى هذا الصغير عبد اللّه بن الحارث الذي كان يرضع كل يوم هو ومحمد من صدر أمهما حليمة قد أفاق في تلك الصبيحة الباكرة ، وهو يصرخ ويبكي على غير عادته في العامين من عمره . وأما السبب في بكائه فأمه حليمة وحدها تعرفه ، إنها أحاسيس الأطفال في سنيّها الأولى التي تدفعهم للبكاء أو الضحك ، دون أن تكون لنا نحن الكبار القدرة على إدراك تلك الدوافع ، اللهمّ إلّا الأم فقد تعرف أحيانا ما وراء انفعالات طفلها ، كما عرفت حليمة في تلك الساعة أن إحساس عبد اللّه بغياب أخيه الرضيع محمد عنه كان دافعه إلى تلك الحالة من البكاء الشديد . ولكن ماذا بيدها أن تفعل ، فلو قدر لكل فرد من عائلتها أن يبقي محمدا عنده لما توانى عن ذلك . . إلا أن الأمانيّ شيء ، والواقع شيء آخر ، ومحمد يجب أن يعاد إلى أهله في مكة ، فما على عائلة الحارث إلا الرضوخ لهذه الحقيقة ، حتى ولو كان فيها مرّ